الأحد، 6 أبريل 2008

إنسان العصر


إنه وحيد في عالمه الصغير ، يشاهد ويلاحظ ويعلّق ويتعلم ويتملق. يفعل ما يحلو له ، بلا حسيب ولا رقيب،يخلق عالما ً وهميا ً يرسم من خلاله صوراً لنفسه يزهو طيفها ألقا ً في الأفق، لا يعاني السلبية البتة، يبعد نفسه عن كافة أصول الواقعية التي ينادي بها ، والتي يحاول جعلها محور تركيزه.

يجعل من هذا العالم وعاء يغمس فيه نفسه كل صباح،ككعكة محلاة، ليبتل ،حتى إذا أغرقت السوائل فكره خرج ليحظى بقدر ٍ كاف ٍ من الهواء ليجففه مساءً ، ومن ثم لا يلبث إلا أن يعود في الصباح من جديد .

فقد العديد من الرموز في حياته، الأب ، الأم ،الأخوة، المبدأ، فأصبحوا عنده كغبار علق بملابسه أزاله برياح فكره الغارق في السوائل لظنه أنهم كماليات لا جدوى لهم ، وما هم إلا غبار سيذهبون ويأتي غيرهم.

إنه إنسان هذا العصر ، نعم ، إنسان هذا العصر، إنسان مجرد من المعاني الإيجابية، تحركه التكنولوجيا الحسناء كلعبة خشبية مسلوبة الإرادة، لتغرقه بوحل مستقبله، يخاف ، يتفكك ذاتيا مع مرور الزمن. لم يبقى من أسباب رفضه للوضع إلا محاولة يائسة للسباحة هربا ً من وحل الواقع الذي رسمته حسناء التكنولوجيا بداخله .

في يوم أبيض ، فقدت هذه الحسناء سيطرتها لبرهة من الوقت على إنسانها العصري بظروف غامضة، تاركة ً إياه حراً لمفرداته وفطرته التي جبل عليها ، لعاداته ، لمتعلقاته الايجابية المفقودة منذ زمن ، في لحظة حرّية موسمية باعتقاده لن تتكرر إلا في مواسم كفصل الشتاء . فما كان من هذا الإنسان إلا أن يلتقي بعالمه الحقيقي، ليجد الدفيء والفكر والراحة ، وأكثر من هذا كله ؛ وجد نفسه ، فجلس مع مساجين آخرين، يتناولون طعامهم ويتسامرون ويلعبون ويشعرون سويا ً بمتعة الحياة وكم هي جميلة لولا القيد، أحسّوا جميعا ً بمتعة الحرية،وبروابط اجتماعية ، روابط من نوع غريب ، لا تقيّد بل توحد .
أحسّوا عطف الأب ، وحنان الأم ، وضعوا أنفسهم حول مدفأة ومن حولهم الشموع ،هم لا يعلمون لماذا أضاءوها ؛ هل لتنير لهم المكان ؟! أم على روح التكنولوجيا وطيفها الغائب عن جلستهم؟؟!!

عزفوا ألحاناً جميلة تغلغلت بين ستائر غرفتهم وشبابيكها التي غطتّها الثلوج، ولكن في داخلهم شك مريب لازمهم منذ التحرر!! ، هل ستعود الآمرة الناهية؟؟ هل نحن أحرار من قيدنا أم هذا مجرد حلم ؟
كثرت التساؤلات .. الأمر الذي جعلهم ينفضّوا إلى زوايا غرفتهم الضيقة ،ويبتعدوا عن المدفأة ، يرقبون بخوف عودة السجّانة الحسناء ، لأن الحرية عندهم باتت محض خيالٍ، وهمٌ رسموا أنفسهم بداخله مبتسمين ، هم المكان بعدها صمت خرجت على إثرها أرواحهم تصرخ

عاشت التكنولوجيا البغيضة، عاشت التكنولوجيا البغيضة

ليست هناك تعليقات: